المنشورات

مقالات المفكرين

إكتشاف العلاقة التكاملية للتجريد التوأم والمكمل الأهم للتشخيص..! بقلم معتز قواس

ان الناظر في مسيرة التقدم العلمي وما قدمه العقل البشري من إكتشافات واختراعات (والاختراع هو في أصله إكتشاف لقوانين الطبيعة التي أودعها الله في الكون) منذ الفأس الحجري في التاريخ القديم إلى فيزياء الكم حديثاً، يبصر أثر تلك الإكتشافات على تقدم الإنسان وازدهار الفكر على مر التاريخ.
إكتشاف المصباح الكهربائي أنار العالم والمبرقة اختصرت الجهد والوقت والهاتف كذلك. والذرة والبنسلين والمطبعة والعجلة والجينات والبوصلة والسيارة والطائرة والكمبيوتر والإنترنت وصولاً إلى فجر الفيزياء الكمومية اليوم والتي تأتي تجاربها بنتائج تفوق الخيال!
وعندما اخترع غاليليو العدسة فُتحت آفاق جديدة في علم البصريات فأصبحنا نبصر من أسرار الطبيعة ما لم نكن نبصره من قبل، المجهر مكنًا من رؤية أدق مكونات المادة، والتلسكوب مكنًا من إبصار أبعاد جديدة في فضاء الكون الواسع.
الواقع والواضح أن نشاط العلوم قد توقف عند حدود المحسوس والملموس والمرئي في الطبيعة (المادية) وعجز الوعي الإنساني عن اختراق "الجدار" إلى ما وراء الطبيعة، وبقي هذا الأفق المجهول متخفياً وراء "علم غائب" مما أتاح المجال واسعاً (بإسم العلم) للشعوذة والدجل والسحر لأن يملأ الفراغ وينشط ويترعرع في هذا المقام المفقود ! وأصبح "كل حزب بما لديهم فرحون"!
أرى أن "فلسفة التشخيص والتجريد" للدكتور هاشم نصار تؤدي إلى انعطافة جوهرية في بوصلة نظرية المعرفة نحو ونقلة نوعية في الوعي الإنساني الباحث عن معنى للوجود والمستنبط من آيات خالق الوجود في القرآن الكريم، المصدر الأساسي للمعرفة، والوقوف على المقاصد التجريدية العميقة فيها كتوأمة متعالية ومكملة لعالم التشخيص الملموس. "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" وأرى أن في "اكتشاف" الجانب التجريدي في المعاني "عدسة" واعدة اكتشفها هاشم نصار وتعتبر أهم (معرفياً) من عدسة غاليليو، مع التقدير لكل من نفع الله بهم البشرية.
وللاطلاع على مضمون فلسفة التشخيص والتجريد يمكن للقارئ الكريم الرجوع إلى موقع الأبعاد السبعة (7diamensions7) للدكتور هاشم نصار والاطلاع على أحد مقالات الأستاذ عصام أبو سنينة بهذا الصدد وهذه روابط إثنين منها:
https://7dimensions7.com/articles_thinkers?id=23
https://7dimensions7.com/articles_thinkers?id=24

بقلم معتز قواس

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

عقيدتي للدكتور رشيد جراح

عقيدتي للدكتور رشيد جراح
تاريخ النشر: 2025-09-19 00:18:50

لقد أثار كلامنا حفيظة عدد من القراء، فظنوا أننا بهذا الطرح الذي نقدمه لا نؤمن بالأحاديث الشريفة التي تتحدث عن المواضيع التي كنا قد تطرقنا لها، وهم ينعتونا – حسب استنتاجاتهم هم من كلامنا نحن- أننا لا نؤمن إلا بما جاء في القرآن الكريم، وهم يعتقدون أن هذا عيب واضح في طرحنا، وكأن لسان حالهم يقول أن مثل هذه الأمور لا يمكن فهمها بمعزل عن السنة (أي ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول). ونحن في هذا المقام نود أن نلفت انتباه القارئ الكريم إلى أمور أساسية تشكل القاعدة الصلبة في عقيدتنا التي نؤمن بها، وبالتالي فهي القاعدة التي نبني عليها الاستنباطات التي نخرج بها والتي تخالف – في معظم الأحوال- ما ذهب إليه جمهور العلماء، وما هو متداول في الفكر السائد عند أتباع معظم الفرق الإسلامية. 1. نحن لا نلتزم بأي مذهب أو طائفة في ما نذهب فيه وفيما نخلص إليه من استنباطات من كتاب الله، فنحن طلاب علم منهجنا أكاديمي بحت، نبحث عن الحقيقة أينما وجدت وحيثما حلت، فلا نتخذ موقفاً عقائدياً معيناً مسبقاً لنبحث عن أدلة على صدق موقفنا كما تفعل غالبية (وربما كل) الفرق الإسلامية، فعقيدتنا تتمثل بما يلي: ما جاء في كتاب الله هو ديننا وهو عقيدتنا مهما بلغ من الغرابة (كما قد يظن البعض) حتى لو خالفنا في ذلك كل أهل الأرض، فأنا أؤمن أني ذاهب إلى ربي لأقف بين يديه وحجتي هي: لقد جئتك ربي مؤمناً بكل ما قلت أنت، ولم آتيك متسلحاً بآراء مذهب أو طائفة، فإن أنت قبلتني فهي رحمتك وإن أنت طردتني فمن عدلك. 2. كما نود أن نجلب انتباه القارئ إلى حقيقة مفادها أننا لسنا علماء شريعة لنعرض عليكم الآراء العقائدية السائدة حول الموضوع الذي يتم طرحه، فتلك محلها كتب الأحكام، ونحن لسنا أكثر من طلاب "علم اللغة"، نحاول فهم النص اللغوي كما يرد في كتاب الله بالمنهجية التي نظن أنها صحيحة، وهو – على ما نظن- اللبنة الأولى لاتخاذ المواقف العقائدية. فننطلق من المبدأ الثابت المتمثل بأن كلام الله كلام دقيق مقصود بلفظه، فلا يجب ليّ عنق النص ليتكيف مع المواقف العقائدية المسبقة، ولا مبرر للتبديل أو التأويل غير المنضبط بالقواعد الواضحة، لأن ذلك سيجعل كلام الله عرضة للأهواء والأغراض، وسبباً في الاختلاف. 3. ولما كان الهدف الجوهري هو فهم النص القرآني لم يكن هناك داعي في هذا المقام أن نستجلب الأحاديث الشريفة للتأييد أو الرفض، فأهل الشريعة هم من يقوموا بمثل هذا العمل. وهنا حصل الخلط في الفهم عند البعض، فلقد ظن البعض أن خلو كلامنا من الأحاديث الشريفة ربما يفهم منه أننا لا نؤمن بالأحاديث النبوية، لذا نجد لزاماً التأكيد على أن خلو كلامنا من الأحاديث الشريفة لا يجب أن يفهم منه أننا لا نؤمن بها 4. ولكن يجب التنبيه إلى أمر غاية في الأهمية ربما يلخّص موقفنا فيما يخص موضوع الأحاديث الشريفة، فموقفنا يتلخص بالعبارة التالية: أقسم بالله العظيم أنني أؤمن إيماناً مطلقاً بكل ما صدر عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم من قول، كيف لا وهو الذي قال الله في حقه: " وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) النجم مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا النساء (80) فبعد هذا الكلام الفصل، كيف لأحد (كائن من كان) أن يخرج ليقول أنني لا أؤمن بما قال صلى الله عليه وسلم؟ إن إيماني مطلق بكل ما قال صلى الله عليه وسلم، لا بل فإن لي موقف عقائدي يذهب إلى أبعد من هذا بكثير بخصوص قول النبي ربما لا أستطيع أن أبوح به أو أن أدخل بتفصيله هنا، وسأفرد له مقالة خاصة بحول الله وتوفيقه، وذلك لأهميته من منظور عقيدتي التي أؤمن بها، ومفاد القول هو عدم الفصل بين قول الله وقول نبيه الكريم، لذا فالإيمان بأحدهما لا يمكن فصله عن الإيمان بالآخر. 5. ولكن في المقام ذاته يجب التنبيه إلى ما يلي: ففي حين أن إيماني مطلق بكل كلمة (لا بل وبكل حرف) قالها صلى الله عليه وسلم، إلا إنني لا أؤمن إيماننا مطلقاً بكل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن ندعو إلى التفريق بين الإيمان بما قال صلى الله عليه وسلم والإيمان بما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فرق كبير، ففي حين أن ما قاله النبي صحيح صادق ليس فيه ما يشوبه، لم يكن ما نقل عن النبي كذلك على كليته، فأهل الحديث أنفسهم قد وضعوا تصنيفات لما نقل عن النبي، فأوردوا الصحيح والحسن والضعيف وحتى المدسوس، لذا كان لا بد من التيقن والحذر عند التطرق لما نقل عن النبي، وللأسف فإن العامة (وبعض أهل الاختصاص) يستشهدوا بكل ما نقل عن النبي ويكأنه صحيح لا شائبة فيه، فكم من الخطب والدروس وحتى بعض الأحكام بنيت على أحاديث لا ترقى إلى درجة حتى الضعيف من القول، وسأقدم مثالاً واحد هنا للتنبيه إلى هذا الأمر (هذا وقد قدمت أمثلة أخرى في مقالاتي السابقة حول هذا الموضوع، فالقارئ المهتم يستطيع الرجوع مثلاً إلى مقالة جدلية عذاب القبر ليقف عند مثل هذه الأمثلة)، أما المثال الذي أقدمه هنا فيتلخص بفحوى ما نقل عن النبي عن مسألة سب الدهر، فلقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن سب الدهر في حديث قدسي، حيث نقل عنه أنه قال: جاء الحديث بألفاظ مختلفة منها رواية مسلم : قال الله عز وجل : يؤذيني ابن آدم يقول : يا خيبة الدهر ، فلا يقولن أحدكم : يا خيبة الدهر ، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما . الحديث كذلك أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر. ورواه البخاري بلفظ: يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار. ومنها رواية للإمام أحمد : لا تسبوا الدهر فإن الله عز وجل قال : أنا الدهر الأيام والليالي لي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك ) وصححه الألباني) وسؤالنا هنا يتمركز حول الاستفسار التالي: هل من الممكن أن يكون النبي قد قال مثل هذا الكلام؟ هل فعلاً نهى النبي عن سب الدهر؟ إننا نفهم أنه من الاستحالة بمكان أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قال مثل هذا الكلام، وقد يرد البعض بالقول: ولم لا؟ لم لا يكون الرسول قد قال هذا الكلام فعلاً؟ نقول أن هذا مستحيل لأن مثل هذا القول يتناقض بشكل صارخ مع ما ورد في كتاب الله، ولكن كيف ذاك؟ نقول: دعنا ندقق أولا بفحوى الحديث نفسه بصيغه المختلفة، النبي ينهى الناس عن سب الدهر، أليس كذلك؟ نعم، لأن الحديث نفسه يبين أن الإله (الله نفسه) هو الدهر (انظر صيغ الحديث المختلفة). والآن، إن كان هذا الكلام صحيحاً، ما الذي سنفعله إذن بما ورد في كتاب الله في الآيات الكريمة التالية: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قل اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26) الجاثية فسؤالنا هو: إذا كان الدهر هو الله كما جاء في الحديث المنقول، فما هي مشكلة الكافرين الذين ظنوا أن الذي يهلكهم هو الدهر كما جاء في الآية الكريمة (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)؟ ولم يحتاج الله أن يذكّر في الموقف نفسه بقوله "قلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ"؟!! إن أهل الحديث مطالبون أن يبيّنوا لنا كيف يكون ذلك إن كان ما نقل عن النبي هو فعلاً قول صحيح يحتج به، ولا أخال أنهم يستطيعون ذلك دون التحليق في سماء المجازات (انظر تأويلات هذا الحديث عند النووي، وابن عثيمين، الخ.)، وهو ما نرفضه رفضاً قاطعاً لأن هذا سيجعل كل يغني على ليلى آه (للخوض في هذا الافتراض نطلب من القارئ الكريم مراجعة ما ورد في مقالتنا تحت عنوان: جدليةالحقيقة والمجاز).

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

برنامج العلاقات بين الواقع والمتوقع الحلقة الأولى علا كساب وهاشم نصار

برنامج اجتماعي يتناول العلاقات بين الازواج وباقي العلاقات بشكل عام بشكل مختلف عن المألوف ومن تجارب واقعية.

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

النظرية العالمية الإسلامية لكشف أسرار الكون (1) الدكتور رشيد جراح

يدافع النص عن فكرة أن المعجزات المذكورة في النصوص الدينية ليست مجرد أحداث خارقة لمرة واحدة، بل هي أمور علمية قابلة للفهم والتطبيق إذا ما تم استخدام منهجية بحث قائمة على المرجعية الدينية، وخاصة القرآن الكريم. يجادل المؤلف بأن الفهم التقليدي للمعجزات كأحداث فريدة قد أدى إلى عجز المؤمنين عن شرحها للمتشككين والملحدين، مما جعلها نقطة ضعف بدلًا من كونها دليلًا على صحة الدين. يرى الكاتب أن هذه الآيات تمثل ذروة الطموح العلمي الإسلامي، وأن الأمة الإسلامية تحمل هذه المعرفة والعلم المتاحين للجميع من خلال القرآن، على عكس الأمم السابقة التي فقدت آيات رسلهم. يقترح النص تبني نظرية علمية إسلامية عالمية لتفسير أسرار الكون والرد على الفكر المادي، مؤكدًا على أن المسلمين يمكنهم التفوق ليس بتقليد الغرب، بل باستخدام منهجية تفكيرهم العقائدي المستقل لفهم وتطبيق ما ورد في نصوصهم المقدسة.

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

هكذا تم تحويل الإسلام إلى طقس يهودي للمفكر العربي الدكتور أسامة عكنان

انقلاب معايير الأولويات في الإسلام منذ تم تقديم السنة الشريفة على القرآن الكريم
هكذا تم تحويل الإسلام إلى طقس يهودي

بقلم: أسامة عكنان

فللقرآن الكريم مكانته الأولى في الصدارة في كل شيء له علاقة بالإسلام، وللسنة مكانتها الثانية بعده وليس قبله، وذلك وفق منظومة قواعد صارمة تحدد لها أدوارها التي تقف عندها لا تتعداها لا تشريعيا ولا إخباريا، وتكون قواعد واضحة وضوحا لا لبس فيه في دلالتها على هيمنة القرآن هيمنة غير قابلة لأي تأويل تشريعيا وإخباريا أيضا.
تعالوا معنا لنقوم بتجربة غير نمطية لميتعود عليها المسلمون نعرض من خلالها فكرتنا:
فلنقم بإحصاء الآيات القرآنية التي تحدثت عن أحكام الشعائر التعبدية الثلاث التي تحظى لدى المسلمين بأكبر قدر من الأهمية والقداسة وهي: "الصلاة" ولواحقها وعلى رأسها "الوضوء"، و"الصيام"، و"الحج"..
ثم لنقم بإحصاء الآيات القرآنية التي تحدثت عن العقوبات على بعض الجرائم، والتي تُعرف في الاصطلاح الموروث بـ "الحدود"، مثل حد القتل، وحد الحرابة، وحد الزنا، وحد السرقة، وحد قذف المحصنات.. إلخ..
ثم لنقم بعد ذلك بإحصاء الآيات القرآنية التي تحدثت عن الأخلاق في المعاملات بين الناس.. ثم بعد ذلك وأخيرا، لنقم بإحصاء الآيات القرآنية التي نظمت الحياة المجتمعية، والعلاقات بين الناس، وخاصة في الأسرة، من زواج وطلاق وحضانة ورضاع، واستئذان، ولباس، وفي المعاملات التجارية، من بيوع، ودين، وتعاملات ربوية، وميزان.. إلخ..
ماذا سنلاحظ؟!
إن إجمالي آيات المجموعة الأولى المتعلقة بالعبادات المذكورة، سواء ما ورد منها بالتفصيل أو بالإجمال، لا تزيد عما نسبته 10% من إجمالي آيات المجموعة الرابعة المتعلقة بتنظيم الحياة المجتمعية، ولا تزيد عما نسبته 10% أيضا من إجمالي الآيات المتعلقة بالمعاملات الأخلاقية..
كما أن إجمالي آيات المجموعة الثانية المتعلقة بالحدود أي بالعقوبات على بعض الجرائم، فإنها لا تزيد عما نسبته 5% من إجمالي آيات المجموعتين الثالثة والرابعة، المتعلقتين بتنظيم العلاقات المجتمعية، وبتنظيم المعاملات الأخلاقية على التوالي..
من البديهي أن يتم افتراض أن ما أولاه الله سبحانه وتعالى في كتابه اهتماما كبيرا عبر تفصيله وتكراره والتوسع فيه، يجب أن يكون حتما أهم في المعايير الإلهية، وأكثر أولوية في رعايته وتقديمه، مما كان اهتمامه به وتكراره وتوسعه فيه أقل، والعكس حتما سيكون مفهوما مغلوطا..
وهذا يعني، أو يجب أن يعني أن الصلاة والصيام والحج – وهي الشعائر التعبدية الأساس في الإسلام كما ورثناه – ليست بأهم من تنظيم العلاقات المجتمعية بين الناس في الأسرة وفي التجارة وفي غيرهما، ولا هي أهم وأولى بالتقديم واعتبار القداسة والسمو من المعاملات الأخلاقية بين الناس..
كما أنه يعني أن الحدود والعقوبات على بعض الجرائم أقل أهمية من الأخلاق، ومن تنظيم المجتمع..
ومن ثم فإن أي محاولة لعكس هذه المعادلة، وتكريس فكرة أن شعائر الصلاة والصيام والحج هي أهم مظاهر الإسلام، وأن تطبيق الحدود على الزنا والسرقة والقذف.. إلخ، هي أهم مظهر من مظاهر تطبيق حكم الله، كما يشيع ذلك النهج السلفي بوجه عام، هي محاولة مغرضة ومشبوهة، ولا وزن إسلامي لها، لأنها تفرض لهذا الدين وللقرآن الكريم فهما من وحي الأمراض والأوهام وتقديس الفهم الموروث..
فالله سبحانه وتعالى لو كان يريد لتلك الشعائر التعبدية أن تكون هي الأهم والأولى بالرعاية، لأشعرنا بذلك، ولاهتم بها أكثر من غيرها، ولما تجنب التفصيل الدقيق فيها كما فصل في الأحكام الاجتماعية، ولركَّزَ عليها بأكثر مما ركز على المعاملات الأخلاقية بين الناس، فهو لم يكن لا عاجزا عن ذلك، ولا راغبا في تضليلنا وتشتيت عقولنا بالقيام بأمر وهو يريد ضده مثلا..
كما أنه سبحانه وتعالى لو أراد للحدود على بعض العقوبات أن تكون هي معيار الحكم على حكم ما بأنه حكم الله أو أنه ليس حكم الله، كما يشيع السلفيون، لكرَّس هذا المعنى في كتابه، ولما ركَّزَ على الأخلاق، وعلى النظم المجتمعية الأخرى، وعلى رأسها ما يتعلق بالأسرة، أكثر منها بعشرين مرة..
دعونا ننتقل الآن إلى خطوة متقدمة في هذا العرض التحليلي، عبر استعراض واقع السنة النبوية الشريفة، أو لنكون دقيقين في التعبير، عبر استعراض ما يُنسَب إلى السنة النبوية الشريفة، وسنأخذ من صحيحي البخاري ومسلم نموذجا، كي تكون الاستنتاجات دالة وذات وزن!!
إن هذين الصحيحين، وهما أهم كتابين عند المسلمين بعد القرآن الكريم، لا بل هما أهم من القرآن الكريم عند السلفيين الذين استخدموا فكرة القداسة القرآنية لجعله عاليا إلى درجة أنه لا يمكن أن يُفَهَم إلى بهذين الكتابين تقريبا..
نقول: إن هذين الصحيحين ينطويان على المعيار المناقض، وعلى التراتبية الضد، لما ذكرناه عن القرآن الكريم حول القضايا الأربع التي اتخذنا منها منطلقا لتحليل فكرتنا وعرضها..
فالأحاديث المنسوبة إلى الرسول الكريم عليه السلام في هذين الكتابين، يمكن تقسيمها لجهة الموضوعات الأربع السابقة وهي: "الأحكام الناظمة للمجتمع"، و"المعاملات الأخلاقية بين الناس"، و"الحدود على بعض الجرائم"، و"الشعائر التعبدية الثلاثة وملحقاتها"، على النحو التالي، وليراجع هذا التقسيم من يشاء باطلاعه على الكتابين:
الشعائر التعبدية تحتل ما لا يقل عن 40% من كل كتاب..
الحدود على بعض الجرائم تحتل 15% من كل الكتاب..
المعاملات الأخلاقية تحتل 5% من كل كتاب..
أحكام تنظيم العلاقات المجتمعية ومن بينها الأسرية تحتل أقل قليلا من 10% من الكتابين..
أي أنه يُراد لنا أن نفهم أن الرسول الكريم عليه السلام، يعطي اهتماما أكبر بكثير لما أعطى الله له اهتماما أقل بكثير، والعكس أيضا، أي أن يُراد لنا أن نفهم أن الرسول يهتم بشكل قليل ومتدن، لما أولاه الله كل اهتمامه وعنايته ورعايته..
فالله يجعل اهتمامه بالشعائر في ذيل قامة الموضوعات الأربعة، فيما الرسول عليه السلام، يخالف ربه، ويعطي اهتمامه الأكبر وبشكل غير عادي ومبالغ فيه، لما جعله الله في الذيل، ويضعه في رأس القائمة، وبفروق مهولة عما سواه..
كما أن الرسول الكريم عليه السلام، يخالف ربَّه أيضا، بأن يعطي اهتماما مُتَدَنِّيا للأخلاق ولتنظيم المجتمع، بأن يضعها في ذيل القائمة، مع أن الله في كتابه جعلها في رأس القائمة..
بطبيعة الحال فإن الرسول عليه السلام لا يمكنه أن يفعل ذلك، لأنه أمين على نقل الرسالة جملة وتفصيلا، شكلا وموضوعا..
كما أننا نتوقع أن يَرُدَّ علينا بعض من غزتهم أساطير السلفية وأوهامها، بأن الرسول كان يُفَصِّل ما لم يُفَصِّله الله في كتابه، ولأن الله فصل في كتابه كثيرا في الأخلاق وأحكام تنظيم المجتمع، وكان مقلا في تفصيل العقوبات والعبادات، فإن الرسول لم يكن بحاجة إلى تفصيل ما كثر تفصيل القرآن فيه، فجاءت حصيلة السنة في هذا المجال أقل من حصيلتها في الأمور الأخرى، التي احتاجت إلى تفصيل واسع، لأن القرآن الكريم كان مجملا فيها ولم يفصل كثيرا، كما هو شأن العبادات..
وهذا كلام ساقط ومرفوض علميا لأنه قائم على فكرة مؤداها هذا الخلل التاريخي الذي فرضه علينا السلفيون في العلاقة بين القرآن الكريم والسنة النبوية، حيث أعطوا للسنة صلاحية نسخ القرآن، وتعميم خاصه، وتخصيص عامه، وإجمال مفصَّلِه، وتفصيل مجمله، وتقييد مطلقه، وإطلاق مقيَّده..
وهذا مكمن الخطأ الذي كان بمثابة البداية التي راح يقيم عليها أولئك صرح ما غدا في تصورنا خللا دينيا..
ولم يشأ أحد لا منهم، ولا ممن خضع لمخرجات ذلك الخلل، أن يفهم أن المسألة ليست كذلك وإنما هي على النحو التالي:
"إن الله عندما فصل في أمور وترك التفصيل في أمور أخرى، فليس لأنه سبحانه وتعالى أراد ترك التفصيل فيما لم يفصله للرسول عليه السلام كي يفعل هو ذلك نيابة عنه، وإنما هو قعل ذلك سبحانه لأنه لم يكن يريد منا شيئا أكثر مما ذكره وفي حدود ما فصله في كتابه، لأنه ما دام قد فصل في غيره عندما أراد التفصيل على ذلك النحو، فلم يكن ليعجزه أن يفصل فيما لم يفصله إن كان يريد أكثر من مجرد الإجمال الوارد"..
لأن هذه الفرضية التي يقيم عليها أولئك صرح هذا البناء المختل، هي التي قلبت الدين والشريعة والإسلام رأسا على عقب، لأنها فرضية تثير تساؤلا لا إجابة عليه إلى بإغلاق العقول وعدم السماح لها بأي تفكير، ولأنها تلغي الحكمة عن الفعل الإلهي، وتسمه بالعبث.. وهذا التساؤل هو التالي:
"لماذا أراد الله أن تكون الصلاة وأن يكون الصيام وأن يكون الحج، أمورا يُحال تفصيلها إلى الرسول الكريم، إذا كانت هي الأهم في هذا الدين، فيم يختص نفسه بالتفصيل في الأخلاق وفي تنظيم المجتمع، مقلصا دور الرسول في ذلك، إذا كانت هذه الأمور لا تحظى بأهمية تلك الشعائر"؟!
هل يعطي الله الأهم للرسول عليه السلام، ويحتفظ لنفسه بالأقل أهمية؟!
هل يضع الله رسوله في المقدمة، ويقف هو سبحانه وراءه؟!
ومع أن الإجابة غير متوفرة بأي منطق عقلي سليم، لأن الإيمان بهذا الفهم المعوج هو في ذاته مثلبة عقدية كبرى في حق الله وتصورنا عنه سبحانه وتعالى، إلا أنها في النهاية لا تعني إلا شيئا واحدا مفاده أن السنة أهم من القرآن، وأن الرسول الكريم عليه السلام، مقدم على الإله نفسه في تقرير الأحكام والقيم والمفاهيم، وهذا بخلاف ما كان عليه السلام يؤكد عليه ويكرسه ويلِحُّ عليه في حياته، عندما كان يحرص على عدم تدوين كلامه كي لا يختلط بكلام الله..
بطبيعة الحال ليس ما نقوله انتقاصا من أهمية السنة الصحيحة ومن دورها في التشريع وفي استصدار الأحكام، ولكن هو مجرد توصيف منطقي للحالة الراهنة، التي تكشف عن زيف في المفاهيم، وعن انقلاب في المعايير، وهو ما جعلنا نعمل على إظهاره من باب التأسيس لضرورة إعادة النظر في علاقة القرآن الكريم بالسنة النبوية الشريفة، للخروج بقواعد جديدة تحررنا من ربقة بعض مظاهر الماضي الخانقة، ومن ربقة السلفية التي تحاول خنقنا به عندما تفرض علينا أن نعتبره هو الدين وهو الوحي وهو الإسلام ذاته..
وأخيرا فلا يسعنا في هذا المقام إلا التذكير، بأن المبالغة في الطقوسية الشعائرية، هي ديدن "اليهود"، وهو ما آخذهم الله عليه وانتقدهم بسببه، وتوراتهم المحرفة ليست أكثر من كتاب طقوس معظمها وثني، لأن المبالغة في الطقوسية، يجرنا فورا وبلا أيِّ تحفُّظٍ، ومن حيث ندري أو لا ندري إلى مزالق الوثنية، وكلما كان الدين نَقِيا من أيدي البشر العابثة، كلما كانت الطقوسية فيه متدنية، لأن الله مستغن عن طقوسيتنا، ولأنه يريد منا ومن علاقتنا به أن تكون عقلانية روحية تنزع نحو التجريدية كما أمكن ذلك، وتتعامل مع الطقوسية في حدها الأدنى الذي لا مفر منه، لا أن تكون علاقتنا بها كلها جملة وتفصيلا عبارة عن طقس يؤول في محصلته إلى الطقوسية الوثنية..
أليس الإمعان في تحري المبالغة في الطقوسية خارج القرآن الكريم الذي تحرر منها بشكل يكاد يكون كاملا تقريبا، عبر الزج بالسنة في هذه الدائرة، هو شكل من أشكال محاولة تهويد الدين الإسلامي، عبر منح الصلاحيات الكبرى للمرجع الديني النصي الذي أمكن إغراقه بهذه الطقوسية، بسبب التزوير والتحريف والكذب التي كان من السهل أن تتعرض لها السنة، بعد أن وقف القرآن الكريم حاجزا وسدا منيعا أمام كل من حاولوا ذلك به كنص، فالتفوا عليه بأن منحوا سلطة تفسيره وإدارة معانيه وأحكامه للنص المرجعي الذي تمكنوا من التلاعب به، ليحققوا بهذه الشعوذة، ما عجزوا عن تحقيقه من خلال المعنى المباشر والواضح والساطع للنص القرآني..
نعم، إننا نصرخ بأعلى صوتنا: إن طقوسية السنة المكذوبة على الرسول الكريم عليه السلام، على هذا النحو المبالغ فيه، هي أول مظهر من مظاهر "تهويد الإسلام"، وكل من ينتهجون هذا النهج هم وحدهم من يتحملون مسؤولية تحويل الإسلام إلى طقس لا يختلف كثيرا عن طقس اليهود..

عرض المزيد

التعليقات:

لا توجد تعليقات بعد.

كتاب أسس معرفية للأستاذ المفكر جمال الشايع

بنيت كتب "أسس معرفية" بدون اللجوء إلى مصادر -جمال الشايع

عرض المزيد

التعليقات:

محمد العامري: من أجمل الكتب
2026-01-23 01:33:38